Monday, July 20, 2015

نظرة على الشخصية المادية

للإنسان بعدان، بعد مادي وبعد روحي، له ظاهر أرضي هو هذا الجسد المادي وما يظهر من الجوارح من قول وفعل، وله باطن سماوي وهو النفس وجوانح القلب وحُجة هي العقل الذي يتعقل به الاشياء. يولد على الفطرة من أب وأم، وينشأ في بيئة تغذيه بما تحتويه من ثقافات ومفاهيم عن الموجودات من حوله، وعن الطبيعة وما وراء الطبيعة بحدود تلك الثقافات. والسؤال حتى نخرج بنتيجة هو كيف ينحرف الانسان عن فطرته ويصبح ذا شخصية متوحشة تفترس من حولها من أجل إشباع رغبتها؟ 

من الامراض التي أصابت الفكر الانساني منذ القدم وإلى اليوم هو نظرته إلى الموجودات والحوادث من حوله بنظرة مادية بحته، وبناءاً عليها يتم ترتيب الآثار وبناء الدول وسن القوانين فوق تلك النظرة السطحية المحدودة جداً. وهذا ما نراه جلياً في أبحاث وتعاملات الانسان الغربي اليومية فهي مصطبغة وقائمة على الانتفاع من المادة بأقصى درجة ممكنة لإشباع رغباته وشهواته الحيوانية. ونتيجة لهذا تنشأ في داخل الفرد حالة من الاضطراب والتنازع التي تدفعه لارتكاب الجرائم وللانحراف السلوكي وللشذوذ الجنسي وأرقام الغرب اليوم تشهد بذلك.

المجتمعات الشرقية ليست بمنأى عن هذه الحالة ولكن بشدة أخف تظهر على شكل بقع متفاوتة هنا وهناك فقد عاشت في تاريخها عصر الاسلام واستضاءت بنوره وشملتها بركاته. إلا أنه وبسبب تداخل الثقافات الانسانية فيما بينها بسبب التطور التقني وبسبب اشتراك الانسان الغربي والشرقي في تركيبة النفس البشرية ومنابع الخير والشر فيها، قد يتأثر الفرد الشرقي بنفس حالة الفرد الغربي بحسب مدى علاقته بخالقه ومقدساته. فبضعف تلك العلاقة وتهافتها يصبح محور حياته هو المادة التي لا يتوقف بريقها المزيف.

من أعراض هذه الشخصية المادية هو العطش الروحي وكثرة الوساوس والأوهام، وذلك لأنه لم يقف على الأبعاد المعنوية الغير مرئية للأمور والموجودات. فالنظر إلى السطح دون الغور الى بواطن الأشياء يُفقد الأنسان القدرة على استخدام الأدوات التي أنعم الله بها عليه وتصبح الاستعدادات والقيم المودعة فيه والملكات من تفكر وتدبر وتعقل وصبر وإيثار وغيرها في حالة طمس واندثار. حتى وإن كان في حال إقبال على الله فإنه وبسبب اختياره لمحورية المادة، لا يتوفق كثيراً في ميدان العبادة وتصبح عباداته مجرد ممارسة لفظية وحركية يواصل فيها حالة الغفلة فكثيراً ما تكون حجاباً بينه وبين الله عز وجل، فسرعان ما يعود لحالته السابقة إلا إذا انتشلته يد الرحمة الإلهية والهداية الربانية ودخل في سلك السعداء. 

ومن أعراض الشخصية المادية أيضا هو حب التسلط على الآخرين، وممارسة دور المهيمن على مافي أيديهم وممارسة الارهاب الفكري أوالجسدي. ومن الاعَراض أيضا التكبر والغطرسة والاعتداد بالنفس وعدم الاعتراف بالخطأ وإلقاء اللوم على الآخرين وغيرها من الامراض القلبية التي تزحزح الانسان عن النعيم وتلقي به في دائرة المهالك والجحيم. عن أبي عبدالله عليه السّلام قال: "مَثَلُ الدُّنيا كَمَثـَلِ ماءِ البحرِ كُلَّما شَرِبَ مِنْهُ العطشانُ ازدادَ عَطَشاً حَتَّى يقتله".

الخلاصة أن البعد المادي في حياة الانسان يتسم بالشكل المتموج لا يفارقه حتى مماته وهو أمر طبيعي نتيجة للبعد التكويني المادي فيه ونتيجة لإحتكاكه بعالم الطبيعة. ولكن متى ما تنبه الانسان لدورة حياته القصيرة جداً بالنسبة لعمر البشرية فوق الارض ومتى ما عرف موقعيته وتركيبته ومسؤولياته تجاه خالقه ونفسه ومجتمعه والطبيعة, تمكن من اخماد ثورة المادة في داخله ومن حوله وترويض قواه حتى تكون جميعا زاداَ في سيره إلى الله سبحانه وتعالى وسببا في دخوله جناته والفوز برضوانه.

ما يحتاجه الفرد المسلم لكي لا تتحول شخصيته في لحظات غفلةٍ إلى شخصية مادية هو أن يقوي علاقته بخالقه المطلق اللامتناهي ويضّعف حالة التعلق بالمادة الزائلة الفانية إلى الدرجة التي تملأ مقدار احتياجاته وتشبع شهواته الطبيعية دون إطلاق العنان لها. فهو موجود في هذا العالم من أجل مهمة ربانية استخلفه الله جل وعلا فيها لأجل أن يحقق أهدافاً سامية ومقدسة تضمن له الخلود وحياة اخرويه بعد أن يخرج من هذا العالم. ما نحتاجه هو رفع الحجب عن دواخلنا حتى ترى شعاع نور السموات والارض فنحوم حوله ونصطبغ بصبغته فنروي عطشنا الروحي. ‏البعد الروحي للإنسان له تأثير كبير على مخرجات هذا الانسان، فإن لم يعمل على اكتشاف أغواره فإنه يبتعد عن دائرة الانسانية ليكون في سلك البهيمية.

نسأل الله أن يوفقنا لما فيه الخير والرضى. وصلى الله على محمد وال محمد الطيبين الطاهرين.


 4 شوال 1436

Thursday, June 18, 2015

الفرق بين استخدام فرقي الجهد ١١٠ و ٢٢٠ فولت في كهرباء المنزل



مقدمة: 
يحتاج مستخدم الطاقة الكهربائية في المنزل أن يتعرف ولو قليلا على مفهومي فرق الجهد والتيار الكهربائي. ففرق الجهد هو الطاقة اللازمة لدفع الالكترونات من القطب السالب إلى القطب الموجب وتقاس بوحدة "الفولت", أما التيار فهو كمية الشحنات التي تتدفق خلال موصل بمعدل زمني معين نتيجة لفرق الجهد وتقاس بوحدة "الأمبير" ويرمز لفرق الجهد باللغة الانجليزية بالحرف "V" وللتيار بالحرف "A". ما يهمنا في هذا المقال هو كلا القيمتين بالإضافة الى نوع الجهاز الذي نستخدم فيه الطاقة الكهربائية. 

إستخدام أحمال عالية:
واحدٌ من أنواع الاجهزة المستخدمة في المنزل هي تلك التي تستهلك طاقة عالية مثل وحدات التكييف والتبريد والتدفئة وسخانات الماء ومجففات الثياب والشعر. وهذا النوع من الاجهزة يتستهلك كمية كبيرة من الطاقة نتيجة لوجود محركات في داخل الجهاز أو قِطع معدنية تتوهج لتعطي الحرارة. وسنبين لاحقا ماهو فرق الجهد المناسب عند استخدامها وكيفية التعامل معها للحفاظ على سلامة الجهاز والمستخدم.

الاجهزة الالكترونية: 
معظم الاجهزة الالكترونية صُنعة لتعمل على فرقي الجهد ١١٠ و ٢٢٠ فولت ولايهم استخدامها في أي الجهدين لأنها تعمل ذاتيا على تحويل التيار المتردد "AC" الى تيار مستمر "DC". وهذه الاجهزة لا تستهلك قدرا كبيرا من الطاقة ويمكن تركيب أكثر من جهاز على قابس واحد. 

حسابات بسيطة:
كلما زادت قيمة التيار في الموصل كلما كان الخطر أكبر على الجهاز وعلى الاسلاك المستخدمة لأن الارتفاع في قيمة التيار يولد حرارة تؤدي الى انصهار أي مادة بلاستيكة يصادفها سواء كانت العوازل الموجودة على الاسلاك أو الموصلات المستخدمة "الافياش". فمثلا لو كان لدينا جهاز تدفئة يستهلك كمية من الطاقة قيمتها 1000 واط فيكون حساب التيار كالتالي: 

- عند استخدام فرق الجهد ١١٠  فولت تكون قيمة التيار ٩ أمبير. 
- عند استخدام فرق الجهد ٢٢٠  فولت تكون قيمة التيار ٤،٥  أمبير.

فنلاحظ ان استخدام فرق الجهد 220 للاجهزة التي تستهلك طاقة عالية يقلل قيمة التيار إلى النصف تقريبا وهذا ما نحتاجه لتقليل الحوادث والاصابات. ملاحظة: الواط هو حاصل ضرب التيار في فرق الجهد.


السلامة في استخدام الكهرباء: 
عدة أمور يجب معرفتها فيما يتعلق بهذا الموضوع لكي نؤمن السلامة داخل المنزل ونتجنب حوادث الاصابات من احتراق أو صدمات كهربائية لا سمح الله أو انقطاع للتيار الكهربائي منها: 

- يفضل ان تتصل أجهزة الاحمال العالية بالقابس الجداري مباشرة بقدر الامكان دون استخدام التحويلات أو الافياش البلاستيكة.
- التأكد من سلامة الاسلاك وأن لا تكون مكشوفة أو مجروحة حتى لا تسبب ماساً أو صدمة كهربائية للشخص الذي يلامسها. 
- عدم تشغيل الاجهزة ذات الاحمال العالية في وقت واحد والحرص على استخدامها بشكل متتابع حتى يتم التخفيف على القاطع الرئيسي للمنزل حتى لايتسبب في انقطاع التيار.
- تحسس الاسلاك الكهربائية للاجهزة فالحرارة العالية جداً دليل على وجود تيار عالي يمر فيها وقد يكون هنالك خلل أو مشكلة في في الجهاز لذا يجب النظر في الأمر لكي لا يحدث حريق لا سمح الله أثناء استمرار درجات الحرارة العالية. 
- تفقد الاجهزة المنزلية بشكل دوري خصوصاً قبل أوقات الذروة مثل شهر رمضان وفصلي الصيف والشتاء.

ونتمنى للجميع السلامة والأمان والصحة والعافية. 

حرر في 2 رمضان 1436 هـ 
الموافق 06/19/2015

Wednesday, April 29, 2015

الانسان بين الوهم والحقيقة

الانسان اليوم يعيش في عالمين مختلفين أحدهما مركزا للانطلاق والتحرك وهو العالم الواقعي وفيه تتجلى الحقائق وتمتد إليه أدوات الحس لتتذوق مافيه من اختلافات وتتعرف على تراكيبه من خلال الموجودات. والاخر بلوري يتسع بإتساع محيط الذهن اسواره من المرايا تنعكس فيه الاشياء بأشكال مختلفة يحكي عن الواقع بمقدار صفاء قلب ذلك الانسان. والسؤال الذي يشغل الفكر هو: هل واقع الانسان نتيجة لما يحمله من صور في الذهن أم أن الذهن هو حصيلة انعكاسات الخارج الواقعي؟

لو مثلنا العالم الواقعي الذي يعيش فيه الانسان بدائرة والذهن بدائرة اخرى سنجد أن كل انسان يحمل في داخله المساحة (أ) للدائرة الاولى والمساحة (ب) للدائرة الثانية وربما يتداخلان في منطقة ما. وبالنتيجة ستتكثر أشكال الانسان بتكثر مساحة كلتا الدائرتين ومساحة التداخل بينهما. السؤال الثاني الذي يشغل الفكرأيضا هو: ماهي الصورة المثالية التي يمكن أن تكون عليه هاتين الدائرتين؟

وخير اجابة هي "لا أعلم" حتى إشعار آخر!
أو لعله هنالك إجابة ولكن لم أهتدِ لها عند الكتابة.

Wednesday, April 8, 2015

شهيد الامة وشاهدها




في ذكرى شهادة السيد محمد باقر الصدر وأخته العلوية رضوان الله عليهما, لابد لنا من وقفة على نافذة الزمن لنطل منها على ذلك الحدث الذي أهتز له العراق والعالَمين العربي والاسلامي, لرحيل شخصية قل نظريها في التاريخ المعاصر والتي تحمل وزناً فكرياً راقياً وعقلية فذة يشهد لها البعيد قبل القريب. فالأبعاد الشخصية والفكرية المتنوعة للسيد الشهيد قدمت لنا قراءات متميزة ومثمرة في مجالات شتى وهي نموذج يحتاج إليها أي مجتمع بشري يمكّنه من التقدم والتطور اجتماعيا واقتصاديا وسياسيا. لقد جسد الشهيد الصدر الخطوط العريضة للاسلام قولاً وفعلاً وخير دليل على ذلك هي ردة الفعل القوية والشرسة التي تعرض لها من أعداء الاسلام من خلال التضييق والحصار والقتل. فما كان له إلا طريق الشهادة لينقش التاريخ بدماءه الزكية حتى تظل روحه ويظل فكره وشخصه حاضرين في كل زمان. فإنتهج رضوان الله عليه طريق جده الامام الحسين عليه السلام عندما وقف أمام حزب البعث مجسداً شعارات النهضة الحسينية مثل (ألا وإن الدعي ابن الدعي قد ركز بين اثنتين بين السلة والذلة وهيهات منا الذلة), ومثل (لا أعطيكم بيدي اعطاء الذليل ولا أفر فرار العبيد) حتى نال وسام الشهادة وسقط مضرجاً بدماءه مع أخته العلوية بنت الهدى في سبيل الله ومن أجل الله. ولازالت تلك الدماء الزكية تتردد عبر الزمان قوله تعالى: (أليس الصبح بقريب) لتحمل أملاً للمحرومين والمستضعفين وللبشرية كافة وقرباناً من أجل إقامة دولة العدل الإلهية.

والسؤال الذي يطرح نفسه في وسط هذا المعترك الضخم من الافكار ومن التجاذبات المستمرة, ما هو واجبنا وتكليفنا تجاه هذه الشخصيات الذي قدمت كل ما تملك لإيصال كلمة الاسلام ومفاهيمه وتصوراته؟ أرى أن الاجابة لابد وأن تترجم على أرض الواقع من خلال العلم والعمل. أن نقرأ تراثهم بالطريقة التي تمكننا من تجسيد تلك الافكار واقيعا ونكمل المشوار إلى حيث ما انتهوا إليه وكلٌ بحسب طاقة وبحسب موقعه وتكليفه حتى يُظهر الله الدين على الدين كله وهذا ما ضمنه الحق تعالى ولو كره المشركون.   


نسأل الله العلي القدير أن يوفقنا لما يحب ويرضى والسلام على الشهيد الصدر واخته العلوية يوم ولدا ويوم استشهدا ويوم يبعثوا أحياء.

عبدالله
4/9/2015

Saturday, February 14, 2015

القراءة الصحيحة كمدخل في البناء المعرفي

تخيل أنك تريد أن تبني عمارة عالية أو مبنى يدوم لسنوات طويلة، فما هو أول شيء ستخطط له؟ ماهي مصادر القوة ونوعيتها التي يجب أن تضيفها لهذا المشروع؟
أحدهم ربما يقول هي تلك الزخرفة والنقوشات على الجدران والأبواب، آخر ربما يقول انه هو ذاك الذهب البرّاق المرصّع هنا وهناك، وفي اعتقادي إنها القاعدة السميكة المتينة التي يقوم عليها أي شيء تريده أن يكون قوياً حياتك. هو ذلك الهرم الذي لا تعرف أي هو سيكون رأسه فكلما زادت قوة قاعدته ومساحته اصبح رأس الهرم في مكان عال ولا متناه وفي ارتفاع لا يمكن الوصول إليه بسهولة.
وكلما كانت جودة مصادر المواد التي ستجلبها لبناء القاعدة عالية، كلما كانت القاعدة أقوى وأصلب في مواجهة عوامل الطبيعة والتاريخ.
لنتحدث قليلا عن البناء المعرفي للإنسان، فهو يبدأ بالكتابة والقراءة في المراحل الأولى إلى أن يصل لمستوى معقول في الدراسة وفي طلب العلم في تخصص معين. ولكن مع مرور الأيام يكتشف الانسان أن هذه الأدوات والمعلومات التي اكتسبها لا تكفيه ولا تغني عطش روحه التواقه لحب الاستطلاع والمعرفة. فهنالك عوالم آخرى يريد الوغول فيها ومعرفتها، فيبدأ في معرفة العالم والموجودات من حوله مستخدما الوسائل المتوفرة من حوله. ومن وسائل وطرق المعرفة هي القراءة التي أمر بها الله سبحانه وتعالى فجاء النداء السماوي للعالم كافة ومخاطبًا كل واحد منا بالصيغة المفردة في قوله: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأكْرَمُ[1] 
هنا تأتي عدة اسئلة لماذا نقرأ؟ ماذا نقرأ؟ كيف نقرأ؟
وبشكل مختصر، الهدف الكلي من القراءة هو معرفة الله سبحانه وتعالى فكل ما يقع عليه نظرك من مادة مكتوبة وتوصل الى الله فعجّل بقراءتها. وهذا الهدف المقدس يجب أن يكون مرتبطا في ذهن القارئ حتى يميز ما هو صالح للقراءة وما هو غير صالح وغير نافع. فالقراءة الصحيحة تحقق الكرامة للإنسان وكرامته تكمن في معرفته وارتباطه بالله عز وجل.
ونحن عندما نقرأ يجب أن نختار المادة الجيدة التي تؤسس لنا القاعدة القوية حتى ننطلق من الثوابت التي تحرك الانسان إلى الكمال ويتكامل بها المجتمع. والقاعدة التي تحدثنا عنها هي تلك المساحة عرضا وطولا على أرضية الدين الاسلامي وكلما اتسع مفهوم الدين في حياتنا كلما كانت لدينا مساحات أكثر لكي نبنى أكثر ويدوم البناء لفترة أطول. الاعتقاد بالدين كما يُعرّف: ”هو الإيمان بكل ما يفرضه حق الطاعة على الإنسان، فيشمل المعرفة بالقلب والإقرار باللسان والعمل بالجوارح“ [2] . فمن مقومات القراءة الصحيحة أن تكون ابتداءاً ضمن أصول الدين وبعض الفروع وفي علم الأخلاق وذلك لإعادة المفاهيم الاسلامية إلى موقعها الصحيح في أذهاننا وعقولنا وإعادة تفعيل النصوص القرآنية والروايات الشريفة في دائرة الحياة بالشكل الصحيح الذي يضمن للانسان الاستفادة القصوى من طاقاته ويضمن انطلاق استعداداته من القوة إلى الفعل.
والقارئ الجيد يجب أن يكون منصتاً جيداً حتى يتنوع في فكره ويبدع في عطائه فلا يحاكي أفكاراً مكررة لا تخدم البشرية ولا يرتبط بأيديولجية مغلوطة تحرفه عن المسار الصحيح. يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ * أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ * وَأُولَٰئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ[3]  وأن يحاول بشتى الطرق أن يكون له استقلالا فكريا بحيث أن لا يرتبط بشخصية معينة أو مدرسة واحدة فيحرم نفسه من اجتهادات الآخرين العلمية ويتجمد فكره ويكون حائلا بينه وبين الانطلاق والابداع.
والقراءة الصحيحة تكون بإختيار الطريقة السليمة التي توصله لهدفه المنشود وفيها يختار الكتب التي يجيد فيها الكاتب ترتيب الطرح، وسلاسة التدرج، ووضوح العبارة، وسهولة تركيبها وقوة بيانها. وعلى القارئ أن يبحث عن الكتّاب الاكفاء الذين يثني عليهم العلماء والمثقفين، والذين يكتبون بأرواحهم وتصل كلماتهم إلى القلوب فتأخذ اثراً يؤدي إلى توهج فكر القارئ ونموه وإبداعه في شتى مجالات الحياة.
وفي النهاية نقول أن العلم كهدف لا يكون ذو فائدة إلا إذا ارتبط بالعمل. فالإسلام دين عمل وليس فقط دين علم وجلوس وقعود في مكان بحيث لايبرح الانسان من أن يتحرك منه. ولهذا معظم عبادات الاسلام هي سلوكيات اجتماعية المحرك فيها هو العمل المشترك بين أفراد المجتمع ولأن يكون هذا العمل هادفا يجب أن يُسبق بعلم نافع ليضمن سلامة العمل. ولما كان لكل عمل مكافأة فنتيجة العمل القائمة على العلم تكون ثمرته أكبر وأكثر وفي القرآن الكريم آيات كثيرة يرتبط فيها العمل بالجزاء الدنيوي والأخروي، يقول سبحانه وتعالى: ﴿هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولو الالباب[4] ، وقوله: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه[5] .
ويقول علي  في اقتران العلم بالعمل: «العلم مقرون بالعمل فمن علم عمل، والعلم يهتف بالعمل، فإن أجابه وإلا ارتحل عنه». [6]

كتبت في 
16 / 7 / 2014
الهوامش [1]  العلق: 1 - 3

[2]  ”الأصل الأول للدين: صحيفة التوحيد الثانية للكاملين“، الشيخ حسن جليل حردان الأنباري.

[3]  الزمر: 18

[4]  الزمر: 9

[5]  الزلزلة: 7، 8

[6]  نهج البلاغة/ صالح/ ص539.

أهمية اصلاح النفس في زمن الغيبة

منذ زمن الغيبة الكبرى وإلى يومنا هذا كانت البشرية ولا تزال بحاجة إلى الخلاص من أزمة كبرى تظهر مصاديقها عبر أزمات يعاني منها الانسان ظلم الانسان الاخر عبر استحواذالاخير على مقدرات الارض وتسخيرها لنفسه من أجل السيطرة على العالم. والاسئلة المحوريةحول هذا الموضوع هي: لماذا لا يظهر الامام  مع كل هذه الاستغاثات من الانسان المظلوم والمجتمعات المنسحقة تحت ظلم الظالمين؟ هل هنالك مشكلة أم أن الامر طبيعي؟ وإذا وجدت فأين تكمن؟ هل هنالك من حكمة لتأخير الظهور المقدس مع هذه الحاجة الملحة؟
ما نراه اليوم - وللاسف - في مجتمعنا هي حالة انهزامية مريرة يعترف بها الافراد مع التفاتهم لها بأنها حال ضعف وهوان مع كل هذه الطاقات التي أودعها الله سبحانه وتعالى في الانسان من عقل ووجدان واحساس، وتهئية عالم الطبيعة له من أجل أن ينهض بنفسه ومع من حوله للسير في الطريق الصحيح لتكامل الانسانية. ومع ذلك فإننا مقصرون في معرفة واجباتنا منشغلون بتضخيم «الانا» وبالتوافهه وبالملذات الزائلة المؤقتة.
وبعد كل هذا وذاك كيف يمكن لمشروع إلهي ضخم أن يتحقق في ظل أرضية جافة لم يهيئ لها الانسان ولو بجزء بسيط على المستوى الشخصي والفردي فضلا على المستوى الاجتماعي والعالمي. فالظهور المقدس والوجود المبارك لذلك الامام العظيم لا يمكن أن يتجلى في نفوس انشغلت عن الله وأصبحت في غفلة عن تلك الاهداف المحورية الكبرى. ولتلاحظ عزيزي القارئ حجم التناقض عندها يشعر الانسان بالظلم فيرفع كفيه بالدعاء لتعجيل الفرج وما إن ينتهي حتى يعود ليمارس الظلم على نفسه وعلى من حوله بزيادة الاضطرابات في داخله وفي المجتمع بغيبة فلان أو حسد من تفضل الله عليه أو الانجرار خلف شهوة البطن والفرج. فالمعركة اليوم بين محور الشر ومحور الخير تكمن في كل واحد فينا في أن تنتصر في داخله جنود الرحمن على جنود الشيطان حتى يصبح وجوده وجودا إلهيا، ويشترك الجميع في دائرة واحدة وبجنودٍ متحدين، ثم ننتظر بعدها الظهور المقدس ليكتمل المشوار حتى ينتصر الخير ويعم السلام الارض.
ولنا في قصص القرآن عبرةفي قوله تعالى: «فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ ۚ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ ۚ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ ۚ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَاقُو اللَّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ» [البقرة: 249]
والتوضيح فإن القائد طالوت قد بين لجنوده الابتلاء والاختبار الذي يحدد مصير الانتصار في المعركة ضد جالوت، وأن شربهم من النهر بما يزيد عن حاجاتهم وانشغالهم بتلك اللذة عن لذة الانتصار، كفيل بخسارتهم في تلك المعركة المصيرية. وللمقاربة لو اعتبرنا أن «النهر» في الآية الكريمة هو هذه الدنيا، فإن الاغتراف منها بلا مراعاة ولا تقدير والانشغال بملذاتها، هي من أسباب تأخر الظهور المقدس، فالأمر ليس تكوينياً بإمتياز لأن الانسانية في تصرفها وتحركها على خط التاريخ هيجزء من تلك المعادلة الكبرى.
نحن اليوم أمام تحدٍ كبير وخطير ومسؤليات وواجبات تحتم علينا أن نتحرك وفق أطرٍ عامة رسمتها السماء، محفوظة خصائصها في هذا الدين القيم الذي فُطر الناس عليه. وحتى نكسب أي معركة فيها لله رضى علينا أن نكسب المعارك في داخل أنفسنا لنتمكن من سوقها من حالة الاضطراب إلى حالة الطمأنية التي ستنعكس وبكل تأكيد على ما حولنا من طبيعة ومن إنسان آخر. وبذلك نصبح أهلاً للمشاركة مع الامام الحجة المنتظر إذا شاء الله الظهور ونحن أحياء أو بعد الموت إن كنا مستحقين للمشاركة في تلك المعركة الكونية. كما يجب الالتفات إلى وجوب تقوية ملكات الصبر والمجاهدة والعزيمة حتى يأخذ الله بأيدينا طالما أننا نتحرك بإخلاص وفي سبيل الله. يقول تعالى: «وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللهَ لَمَعَ المُحْسِنِينَ» [العنكبوت: 69]

كتبت في 4 / 1 / 2015م