Monday, February 8, 2016

نظرة على مفهوم فريضة طلب العلم

لا يكاد يخلو فصل أو تخصص من الطلبة الاجانب ومن الذين قدموا من كل أرجاء العالم في جامعات الولايات المتحدة الأمريكية. خصصت هذه المقالة للحديث عن فريضة  "طلب العلم" وكيف أن المكان الذي تتوفر فيه فرص طلب العلم يأتيه الطلاب من كل حد وصوب قاطعين مسافات بعيدة وتاركين وراءهم لذة اللقاء والاجتماع بالأهل والاصدقاء ومهاجرين عن أوطانهم التي تُختزل فيها تاريخهم وتراثهم وثقافاتهم. كلهم أجمعوا على هدف واحد وهو طلب العلم ويمكن القول أن هذا الهدف هو وسيلة وليس غاية, فلا بد وأن يكون خلف هذا الطلب دافع وبعده عدة أهداف منها الزيادة في المال أو تعليم الآخرين أو اكتساب مهارات ونقلها لمجتمعاتهم من أجل أن تزدهر وتتطور للأفضل. تتنوع هذه الاهداف وتتبلور في كل طالب بحسب عقيدته الايمانية والبيئة التي نشأ فيها والتعاليم التي تلقاها منذ نعومة اظفاره.
من بين الديانات والثقافات يبرز ديننا الحنفيف من خلال نصوصه الواضحة في القرآن الكريم والأحاديث الشريف الحث والطلب للسعي وراء اكتساب العلم من أجل أن ينهض الانسان كفرد ويؤثر بنهوضه على من حوله من اسرة ومجتمع, ونذكر في هذا السياق قوله تعالى: (وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا)1وقول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: "طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة".
مفهوم "طلب العلم" في مجتمعاتنا
ولعنا مقصرون في هذا الجانب كثيراً فقد أُختزل في مجتمعاتنا مفهوم طلب العلم في الانتساب لجامعة أو كلية أو معهد يجلس فيها الطالب على مقاعد الدراسة وينتهي به المطاف بالحصول على شهادة أكاديمية, وهذا المفهوم قاصر إذ أن طلب العلم هو مفهوم عام يحاول استنهاض الانسان في أي مرحلة من مراحله عمره بتحصيل العلوم النافعة في أي مجال يجد في نفسه الاستعداد الكافي للتبحر فيه للدرجة التي يكتسب منها خبرة تؤهله لأن يكون فردا منتجاً. والقراءة الواعية مثلا في علم معين أو عدة علوم مترابطة مثل العلوم الدينية والاخلاقية والاجتماعية تعتبر من أبسط مصاديق طلب العلم. فالانسان في هذا العصر يواجه تحديات كبرى وضغوطات كثيرة وانفتاح فكري - بسبب تطور التكنولوجيا - على مفاهيم من الشرق والغرب, وهذا الانفتاح يسبب له ضغطاً داخليا بين أن ينطلق ويتعرف على هذا العالم أو أن ينعزل ويتقوقع في ثقافة محيطه ومجتمه. فعلى أقل تقدير هو أمام مهمة لتعميق القيم والمثل التي يؤمن بحيث أنها تكون أكثر حضوراً وديناميكية في واقعه ومحيطه وفي مهمة آخرى موازية للاولى هي الانفتاح على الثقافات المختلفة والشعوب. وكلا هاتان المهمتان الاساسيتان في حياة الانسان الذي ينشد الطريق نحو كماله بالطريق الصحيح, تتطلبان دافعاً من الفضول وحب العلم وطلبه ولو خلا الأمر من الدراسة الأكاديمية المنتظمة. يقول تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ الله أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ الله عَلِيمٌ خَبِيرٌ)2
المال أو العلم
يكثر الحديث حول هذه الثنائية وكثيراً ما يكون هنالك خلط للأوراق وينتهي المطاف بإختيار المال على خيار العلم, فأكثر الحسابات تحوم هو ماهو مادي لأن طبيعة النفس الانسانية تألف المادة وتتعلق بها إلا أن تتدخل حسابات آخرى تعطي مقدمات مختلفة من أجل نتائج معنوية. الامام علي عليه السلام يعطينا مقارنات بين العلم والمال فيقول في احدى مواعظه لكميل بن زياد: "يا كميل، العلم خير من المال، العلم يحرسك وأنت تحرس المال، والمال تنقصه النفقة، والعلم يزكو على الانفاق. يا كميل، معرفة العلم دين يدان به، يكسب الانسان الطاعة في حياته، وجميل الاحدوثة بعد وفاته، والعلم حاكم، والمال محكوم عليه"3. فكثيراً ما يتوهم الانسان أن طلب العلم يلازمه الضعف في طلب المال والحقيقة أن المال يدخل تحت بوابة "الرزق" والذي هو إفاضة من الله سبحانه وتعالى بحسب سعي الانسان نحو هذا الرزق فإن اعطاه فهو تفضل منه سبحانه وتعالى وإن منعه فلحكمة يعلمها جلَ وعلا. وكثير من طلاب العلم كانوا يعيشون حياة مادية بسيطة وأحياناً لا يجدون قوت يومهم إلا أنه وبسبب ايثارهم طلب العلم على المال تشملهم الرعاية الالهية ويوسع الله في ارزاقهم.
لذة طلب العلم
كما أن لطلب الأمور الأخرى كجمع المال لذة فإن لطلب العلم كذلك لذة تختلف عن اللذات الاخرى, ومن يرتشف من هذا الكأس ويوفقه الله في هذا الطريق فإنه لا يتوقف في هذا الطلب حتى مماته. وما يميز طلب العلم أن الانسان بمجرد أن يخطو الخطوة الأولى فيه ينفتح أمامه الطريق الذي يحركه فيه غريزة الفضول وحب المعرفة وتنفتح آمامه آفاق جديدة, ويطرق فيها أبواباً جديدة يثرى بها وجوده ويصبح أقدر على تغيير من محتواه الداخلي فيصبح أكثر مرونة لتغيير واقعه للأفضل. وكلما كانت المعرفة التي يطلبها الانسان ذات قيمة عالية كمعرفة الله ومعرفة النفس, كلما تدفقت في داخله لذة لا تتدفق عليه من طلب العلوم التي تتعلق بالدنيا حتى يصبح البحث عن هذه اللذة كالملكة يتستخدم الانسان فيها كل الوسائل المتاحة له لكي يتحصل عليها.
إذن, فمهوم طلب العلم هو مفهوم عام ذا قيمة عالية يشمل أي محاولة للانسان للسعي خلف تحصيل معارف في علم معين يخدم فيها مصالحه الدنيوية والاخروية كفرد وكجزء من المجتمع يشترك فيه مع الآخرين. ولا يقتصر هذا الطلب في مرحلة مؤقته في حياته بل يجب أن يمتد إلى آخر لحظة من عمره كما جاء في القول المأثور: "اطلبوا العلم من المهد إلى اللحد". وأبسط شكل من أشكال طلب العلم هو القراءة الواعية التي يحتاجها كل فرد لتملأ قلبه بالمعارف المختلفة وأهمها المعارف الالهية التي تضمن له سلامة المسير في عالم الدنيا وحسن المآب في عالم الآخرة. يقول الامام علي عليه السلام: "يا كميل !.. ما من حركة إلاّ وأنت محتاج فيها إلى معرفة".