Saturday, February 14, 2015

القراءة الصحيحة كمدخل في البناء المعرفي

تخيل أنك تريد أن تبني عمارة عالية أو مبنى يدوم لسنوات طويلة، فما هو أول شيء ستخطط له؟ ماهي مصادر القوة ونوعيتها التي يجب أن تضيفها لهذا المشروع؟
أحدهم ربما يقول هي تلك الزخرفة والنقوشات على الجدران والأبواب، آخر ربما يقول انه هو ذاك الذهب البرّاق المرصّع هنا وهناك، وفي اعتقادي إنها القاعدة السميكة المتينة التي يقوم عليها أي شيء تريده أن يكون قوياً حياتك. هو ذلك الهرم الذي لا تعرف أي هو سيكون رأسه فكلما زادت قوة قاعدته ومساحته اصبح رأس الهرم في مكان عال ولا متناه وفي ارتفاع لا يمكن الوصول إليه بسهولة.
وكلما كانت جودة مصادر المواد التي ستجلبها لبناء القاعدة عالية، كلما كانت القاعدة أقوى وأصلب في مواجهة عوامل الطبيعة والتاريخ.
لنتحدث قليلا عن البناء المعرفي للإنسان، فهو يبدأ بالكتابة والقراءة في المراحل الأولى إلى أن يصل لمستوى معقول في الدراسة وفي طلب العلم في تخصص معين. ولكن مع مرور الأيام يكتشف الانسان أن هذه الأدوات والمعلومات التي اكتسبها لا تكفيه ولا تغني عطش روحه التواقه لحب الاستطلاع والمعرفة. فهنالك عوالم آخرى يريد الوغول فيها ومعرفتها، فيبدأ في معرفة العالم والموجودات من حوله مستخدما الوسائل المتوفرة من حوله. ومن وسائل وطرق المعرفة هي القراءة التي أمر بها الله سبحانه وتعالى فجاء النداء السماوي للعالم كافة ومخاطبًا كل واحد منا بالصيغة المفردة في قوله: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأكْرَمُ[1] 
هنا تأتي عدة اسئلة لماذا نقرأ؟ ماذا نقرأ؟ كيف نقرأ؟
وبشكل مختصر، الهدف الكلي من القراءة هو معرفة الله سبحانه وتعالى فكل ما يقع عليه نظرك من مادة مكتوبة وتوصل الى الله فعجّل بقراءتها. وهذا الهدف المقدس يجب أن يكون مرتبطا في ذهن القارئ حتى يميز ما هو صالح للقراءة وما هو غير صالح وغير نافع. فالقراءة الصحيحة تحقق الكرامة للإنسان وكرامته تكمن في معرفته وارتباطه بالله عز وجل.
ونحن عندما نقرأ يجب أن نختار المادة الجيدة التي تؤسس لنا القاعدة القوية حتى ننطلق من الثوابت التي تحرك الانسان إلى الكمال ويتكامل بها المجتمع. والقاعدة التي تحدثنا عنها هي تلك المساحة عرضا وطولا على أرضية الدين الاسلامي وكلما اتسع مفهوم الدين في حياتنا كلما كانت لدينا مساحات أكثر لكي نبنى أكثر ويدوم البناء لفترة أطول. الاعتقاد بالدين كما يُعرّف: ”هو الإيمان بكل ما يفرضه حق الطاعة على الإنسان، فيشمل المعرفة بالقلب والإقرار باللسان والعمل بالجوارح“ [2] . فمن مقومات القراءة الصحيحة أن تكون ابتداءاً ضمن أصول الدين وبعض الفروع وفي علم الأخلاق وذلك لإعادة المفاهيم الاسلامية إلى موقعها الصحيح في أذهاننا وعقولنا وإعادة تفعيل النصوص القرآنية والروايات الشريفة في دائرة الحياة بالشكل الصحيح الذي يضمن للانسان الاستفادة القصوى من طاقاته ويضمن انطلاق استعداداته من القوة إلى الفعل.
والقارئ الجيد يجب أن يكون منصتاً جيداً حتى يتنوع في فكره ويبدع في عطائه فلا يحاكي أفكاراً مكررة لا تخدم البشرية ولا يرتبط بأيديولجية مغلوطة تحرفه عن المسار الصحيح. يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ * أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ * وَأُولَٰئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ[3]  وأن يحاول بشتى الطرق أن يكون له استقلالا فكريا بحيث أن لا يرتبط بشخصية معينة أو مدرسة واحدة فيحرم نفسه من اجتهادات الآخرين العلمية ويتجمد فكره ويكون حائلا بينه وبين الانطلاق والابداع.
والقراءة الصحيحة تكون بإختيار الطريقة السليمة التي توصله لهدفه المنشود وفيها يختار الكتب التي يجيد فيها الكاتب ترتيب الطرح، وسلاسة التدرج، ووضوح العبارة، وسهولة تركيبها وقوة بيانها. وعلى القارئ أن يبحث عن الكتّاب الاكفاء الذين يثني عليهم العلماء والمثقفين، والذين يكتبون بأرواحهم وتصل كلماتهم إلى القلوب فتأخذ اثراً يؤدي إلى توهج فكر القارئ ونموه وإبداعه في شتى مجالات الحياة.
وفي النهاية نقول أن العلم كهدف لا يكون ذو فائدة إلا إذا ارتبط بالعمل. فالإسلام دين عمل وليس فقط دين علم وجلوس وقعود في مكان بحيث لايبرح الانسان من أن يتحرك منه. ولهذا معظم عبادات الاسلام هي سلوكيات اجتماعية المحرك فيها هو العمل المشترك بين أفراد المجتمع ولأن يكون هذا العمل هادفا يجب أن يُسبق بعلم نافع ليضمن سلامة العمل. ولما كان لكل عمل مكافأة فنتيجة العمل القائمة على العلم تكون ثمرته أكبر وأكثر وفي القرآن الكريم آيات كثيرة يرتبط فيها العمل بالجزاء الدنيوي والأخروي، يقول سبحانه وتعالى: ﴿هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولو الالباب[4] ، وقوله: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه[5] .
ويقول علي  في اقتران العلم بالعمل: «العلم مقرون بالعمل فمن علم عمل، والعلم يهتف بالعمل، فإن أجابه وإلا ارتحل عنه». [6]

كتبت في 
16 / 7 / 2014
الهوامش [1]  العلق: 1 - 3

[2]  ”الأصل الأول للدين: صحيفة التوحيد الثانية للكاملين“، الشيخ حسن جليل حردان الأنباري.

[3]  الزمر: 18

[4]  الزمر: 9

[5]  الزلزلة: 7، 8

[6]  نهج البلاغة/ صالح/ ص539.

أهمية اصلاح النفس في زمن الغيبة

منذ زمن الغيبة الكبرى وإلى يومنا هذا كانت البشرية ولا تزال بحاجة إلى الخلاص من أزمة كبرى تظهر مصاديقها عبر أزمات يعاني منها الانسان ظلم الانسان الاخر عبر استحواذالاخير على مقدرات الارض وتسخيرها لنفسه من أجل السيطرة على العالم. والاسئلة المحوريةحول هذا الموضوع هي: لماذا لا يظهر الامام  مع كل هذه الاستغاثات من الانسان المظلوم والمجتمعات المنسحقة تحت ظلم الظالمين؟ هل هنالك مشكلة أم أن الامر طبيعي؟ وإذا وجدت فأين تكمن؟ هل هنالك من حكمة لتأخير الظهور المقدس مع هذه الحاجة الملحة؟
ما نراه اليوم - وللاسف - في مجتمعنا هي حالة انهزامية مريرة يعترف بها الافراد مع التفاتهم لها بأنها حال ضعف وهوان مع كل هذه الطاقات التي أودعها الله سبحانه وتعالى في الانسان من عقل ووجدان واحساس، وتهئية عالم الطبيعة له من أجل أن ينهض بنفسه ومع من حوله للسير في الطريق الصحيح لتكامل الانسانية. ومع ذلك فإننا مقصرون في معرفة واجباتنا منشغلون بتضخيم «الانا» وبالتوافهه وبالملذات الزائلة المؤقتة.
وبعد كل هذا وذاك كيف يمكن لمشروع إلهي ضخم أن يتحقق في ظل أرضية جافة لم يهيئ لها الانسان ولو بجزء بسيط على المستوى الشخصي والفردي فضلا على المستوى الاجتماعي والعالمي. فالظهور المقدس والوجود المبارك لذلك الامام العظيم لا يمكن أن يتجلى في نفوس انشغلت عن الله وأصبحت في غفلة عن تلك الاهداف المحورية الكبرى. ولتلاحظ عزيزي القارئ حجم التناقض عندها يشعر الانسان بالظلم فيرفع كفيه بالدعاء لتعجيل الفرج وما إن ينتهي حتى يعود ليمارس الظلم على نفسه وعلى من حوله بزيادة الاضطرابات في داخله وفي المجتمع بغيبة فلان أو حسد من تفضل الله عليه أو الانجرار خلف شهوة البطن والفرج. فالمعركة اليوم بين محور الشر ومحور الخير تكمن في كل واحد فينا في أن تنتصر في داخله جنود الرحمن على جنود الشيطان حتى يصبح وجوده وجودا إلهيا، ويشترك الجميع في دائرة واحدة وبجنودٍ متحدين، ثم ننتظر بعدها الظهور المقدس ليكتمل المشوار حتى ينتصر الخير ويعم السلام الارض.
ولنا في قصص القرآن عبرةفي قوله تعالى: «فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ ۚ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ ۚ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ ۚ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَاقُو اللَّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ» [البقرة: 249]
والتوضيح فإن القائد طالوت قد بين لجنوده الابتلاء والاختبار الذي يحدد مصير الانتصار في المعركة ضد جالوت، وأن شربهم من النهر بما يزيد عن حاجاتهم وانشغالهم بتلك اللذة عن لذة الانتصار، كفيل بخسارتهم في تلك المعركة المصيرية. وللمقاربة لو اعتبرنا أن «النهر» في الآية الكريمة هو هذه الدنيا، فإن الاغتراف منها بلا مراعاة ولا تقدير والانشغال بملذاتها، هي من أسباب تأخر الظهور المقدس، فالأمر ليس تكوينياً بإمتياز لأن الانسانية في تصرفها وتحركها على خط التاريخ هيجزء من تلك المعادلة الكبرى.
نحن اليوم أمام تحدٍ كبير وخطير ومسؤليات وواجبات تحتم علينا أن نتحرك وفق أطرٍ عامة رسمتها السماء، محفوظة خصائصها في هذا الدين القيم الذي فُطر الناس عليه. وحتى نكسب أي معركة فيها لله رضى علينا أن نكسب المعارك في داخل أنفسنا لنتمكن من سوقها من حالة الاضطراب إلى حالة الطمأنية التي ستنعكس وبكل تأكيد على ما حولنا من طبيعة ومن إنسان آخر. وبذلك نصبح أهلاً للمشاركة مع الامام الحجة المنتظر إذا شاء الله الظهور ونحن أحياء أو بعد الموت إن كنا مستحقين للمشاركة في تلك المعركة الكونية. كما يجب الالتفات إلى وجوب تقوية ملكات الصبر والمجاهدة والعزيمة حتى يأخذ الله بأيدينا طالما أننا نتحرك بإخلاص وفي سبيل الله. يقول تعالى: «وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللهَ لَمَعَ المُحْسِنِينَ» [العنكبوت: 69]

كتبت في 4 / 1 / 2015م