للإنسان بعدان،
بعد مادي وبعد روحي، له ظاهر أرضي هو هذا الجسد المادي وما يظهر من الجوارح من قول
وفعل، وله باطن سماوي وهو النفس وجوانح القلب وحُجة هي العقل الذي يتعقل به
الاشياء. يولد على الفطرة من أب وأم، وينشأ في بيئة تغذيه بما تحتويه من ثقافات
ومفاهيم عن الموجودات من حوله، وعن الطبيعة وما وراء الطبيعة بحدود تلك الثقافات.
والسؤال حتى نخرج بنتيجة هو كيف ينحرف الانسان عن فطرته ويصبح ذا شخصية متوحشة
تفترس من حولها من أجل إشباع رغبتها؟
من الامراض التي
أصابت الفكر الانساني منذ القدم وإلى اليوم هو نظرته إلى الموجودات والحوادث من
حوله بنظرة مادية بحته، وبناءاً عليها يتم ترتيب الآثار وبناء الدول وسن القوانين
فوق تلك النظرة السطحية المحدودة جداً. وهذا ما نراه جلياً في أبحاث وتعاملات
الانسان الغربي اليومية فهي مصطبغة وقائمة على الانتفاع من المادة بأقصى درجة
ممكنة لإشباع رغباته وشهواته الحيوانية. ونتيجة لهذا تنشأ في داخل الفرد حالة من
الاضطراب والتنازع التي تدفعه لارتكاب الجرائم وللانحراف السلوكي وللشذوذ الجنسي
وأرقام الغرب اليوم تشهد بذلك.
المجتمعات
الشرقية ليست بمنأى عن هذه الحالة ولكن بشدة أخف تظهر على شكل بقع متفاوتة هنا
وهناك فقد عاشت في تاريخها عصر الاسلام واستضاءت بنوره وشملتها بركاته. إلا أنه
وبسبب تداخل الثقافات الانسانية فيما بينها بسبب التطور التقني وبسبب اشتراك
الانسان الغربي والشرقي في تركيبة النفس البشرية ومنابع الخير والشر فيها، قد
يتأثر الفرد الشرقي بنفس حالة الفرد الغربي بحسب مدى علاقته بخالقه ومقدساته.
فبضعف تلك العلاقة وتهافتها يصبح محور حياته هو المادة التي لا يتوقف بريقها
المزيف.
من أعراض
هذه الشخصية المادية هو العطش الروحي وكثرة الوساوس والأوهام، وذلك لأنه لم يقف
على الأبعاد المعنوية الغير مرئية للأمور والموجودات. فالنظر إلى السطح دون الغور
الى بواطن الأشياء يُفقد الأنسان القدرة على استخدام الأدوات التي أنعم الله بها
عليه وتصبح الاستعدادات والقيم المودعة فيه والملكات من تفكر وتدبر وتعقل وصبر
وإيثار وغيرها في حالة طمس واندثار. حتى وإن كان في حال إقبال على الله فإنه وبسبب
اختياره لمحورية المادة، لا يتوفق كثيراً في ميدان العبادة وتصبح عباداته مجرد
ممارسة لفظية وحركية يواصل فيها حالة الغفلة فكثيراً ما تكون حجاباً بينه وبين الله عز وجل، فسرعان ما يعود لحالته السابقة إلا
إذا انتشلته يد الرحمة الإلهية والهداية الربانية ودخل في سلك السعداء.
ومن أعراض
الشخصية المادية أيضا هو حب التسلط على الآخرين، وممارسة دور المهيمن على مافي
أيديهم وممارسة الارهاب الفكري أوالجسدي. ومن الاعَراض
أيضا التكبر والغطرسة والاعتداد بالنفس وعدم الاعتراف بالخطأ وإلقاء اللوم على
الآخرين وغيرها من الامراض القلبية التي تزحزح الانسان عن النعيم وتلقي به في
دائرة المهالك والجحيم. عن أبي عبدالله عليه السّلام قال: "مَثَلُ
الدُّنيا كَمَثـَلِ ماءِ البحرِ كُلَّما شَرِبَ مِنْهُ العطشانُ ازدادَ عَطَشاً
حَتَّى يقتله".
الخلاصة أن البعد المادي في حياة الانسان يتسم بالشكل المتموج لا يفارقه حتى مماته وهو أمر طبيعي نتيجة للبعد التكويني المادي فيه ونتيجة لإحتكاكه بعالم الطبيعة. ولكن متى ما تنبه الانسان لدورة حياته القصيرة جداً بالنسبة لعمر البشرية فوق الارض ومتى ما عرف موقعيته وتركيبته ومسؤولياته تجاه خالقه ونفسه ومجتمعه والطبيعة, تمكن من اخماد ثورة المادة في داخله ومن حوله وترويض قواه حتى تكون جميعا زاداَ في سيره إلى الله سبحانه وتعالى وسببا في دخوله جناته والفوز برضوانه.
الخلاصة أن البعد المادي في حياة الانسان يتسم بالشكل المتموج لا يفارقه حتى مماته وهو أمر طبيعي نتيجة للبعد التكويني المادي فيه ونتيجة لإحتكاكه بعالم الطبيعة. ولكن متى ما تنبه الانسان لدورة حياته القصيرة جداً بالنسبة لعمر البشرية فوق الارض ومتى ما عرف موقعيته وتركيبته ومسؤولياته تجاه خالقه ونفسه ومجتمعه والطبيعة, تمكن من اخماد ثورة المادة في داخله ومن حوله وترويض قواه حتى تكون جميعا زاداَ في سيره إلى الله سبحانه وتعالى وسببا في دخوله جناته والفوز برضوانه.
ما يحتاجه الفرد
المسلم لكي لا تتحول شخصيته في لحظات غفلةٍ إلى شخصية مادية هو أن يقوي علاقته
بخالقه المطلق اللامتناهي ويضّعف حالة التعلق بالمادة الزائلة الفانية إلى الدرجة
التي تملأ مقدار احتياجاته وتشبع شهواته الطبيعية دون إطلاق العنان لها. فهو موجود
في هذا العالم من أجل مهمة ربانية استخلفه الله جل وعلا فيها لأجل أن يحقق
أهدافاً سامية ومقدسة تضمن له الخلود وحياة اخرويه بعد أن يخرج من هذا العالم. ما نحتاجه
هو رفع الحجب عن دواخلنا حتى ترى شعاع نور السموات والارض فنحوم حوله ونصطبغ
بصبغته فنروي عطشنا الروحي. البعد الروحي للإنسان له تأثير كبير على مخرجات
هذا الانسان، فإن لم يعمل على اكتشاف أغواره فإنه يبتعد عن دائرة الانسانية ليكون
في سلك البهيمية.
نسأل الله أن
يوفقنا لما فيه الخير والرضى. وصلى الله على محمد وال محمد الطيبين الطاهرين.
4 شوال
1436
مقال رائع جداً ..
ReplyDeleteجزيت خيراً
بالتوفيق كلام جميل
ReplyDeleteكما ادعوك لزيارة مدونتى النفس و الايمانhttps://alnfseman.blogspot.com/?zx=8a63837013c93e5a